
مداخلة وزير العلاقات الخارجية لجمهورية كوبا، سعادة السيد برونو رودريغيز بارييا، في الجلسة الافتتاحية لاجتماع كبار الموظفين بالاجتماع الوزاري لمكتب تنسيق حركة البلدان عدم الانحياز.
هافانا، 27 نيسان/أبريل عام 2009.

أيتها المندوبات الموقرات، أيها المندوبين الموقرين:
باسم شعبنا وحكومتنا أرحب بكم ترحيبا أخويا وأتمنى لكم إقامة طيبة في بلدنا.
نستقبلكم بعد ثلاثة سنوات تقريبا من عقد القمة التاريخية الرابعة عشر لحركة البلدان عدم الانحياز، في أيلول/ سبتمبر عام 2006 والمنعقدة في نفس هذا المكان. بتلك المرة جددنا التزامنا الثابت بإعادة إحياء وتعزيز حركة البلدان عدم الانحياز كملتقى لقاء سياسي لبلدان الجنوب. اتخذنا كذلك قرارات مهمة وجهت عملنا في السنوات الثلاثة الأخيرة.
إن "البيان حول أهداف ومبادئ ودور حركة البلدان عدم الانحياز في إطار الوضع الدولي الحالي"، الذي وافق عليه زعماؤنا في 16 أيلول/سبتمبر 2006 والذي وضع المنطلقات الأساسية لمواجهة التحديات والتهديدات التي تؤثر على الإنسانية، وعلى وجه الخصوص، على بلدان عدم الانحياز، سجل منعطفا في آفاق الحركة. لقد تحوّلت وثيقة هافانا، إلى جانب المبادئ التأسيسية لباندونغ، إلى المرشد الدائم ل بلدان عدم الانحياز في تأكيد سريان الغايات التي يسعى توافقنا السياسي لتحقيقها.
يمكننا التأكيد على أن دورنا في العلاقات الدولية يتعزز. إننا نشارك بنشاط في المداولات والمناقشات الرئيسية وفي عمليات اتخاذ القرار في مختلف المحافل متعددة الأطراف. أصبحنا بظروف أفضل للدفاع عن مصالح شعوب الجنوب. بين أهم النتائج التي أحرزناها بهذه السنوات الثلاثة، يمكننا أن نذكر ما يلي:
1- لقد توطد واكتسب المزيد من الفعالية التنسيق ولقاء مواقف البلدان عدم الانحياز فيما يخص مواضيع رئيسية بجدول أعمال الأمم المتحدة. يزداد يوماً بعد يوم نفوذ وتأثير وأبعاد قرارات مكتب التنسيق ومجموعات العمل بنيويورك.
2- جرى التفاوض على 26 بيان لمكتب التنسيق حول مواضيع متنوعة تهم بشكل خاص البلدان عدم الانحياز وإقرار هذه البيانات منذ عقد القمة الرابعة عشرة حتى يومنا هذا.
3- تعززت العلاقات وارتقى تنسيق مواقف الحركة مع مجموعات أخرى بالجنوب، خصوصا مع مجموعة-77 والصين. لقد مكّن تحديد المجالات المشتركة للتفاوض والعمل لجنة التنسيق المشترك، التابعة للمجموعتين، بالدفاع عن مواقف البلدان النامية في مجالات مثل تجانس النظام وإصلاح الأمم المتحدة. وتشير خبرة السنوات الأخيرة الثلاثة إلى ضرورة عدم الحد من أبعاد لجنة التنسيق المشترك وأن لا تقتصر على نيويورك فقط، بل وإنه من المفيد أن تمتد أبعادها إلى مقرات أخرى لهيئات متعددة الأطراف، قدر الإمكان، خدمة لتعزيز وحدة البلدان النامية وقدرة عملها.
4- قد توطد عمل الحركة في مقرات أخرى لهيئات متعددة الأطراف. فقد استؤنف الأداء الفعال للحركة في اليونيسكو بعد أكثر من عقدين من الركود.
5-توسعت وتعمقت مجالات نشاطاتها في جنيف. اليوم أصبحت الحركة نشطة في أعمال مجلس حقوق الإنسان، في منظمة الصحة العالمية، في منظمة العمل الدولية ومختلف الملتقيات حول نزع السلاح. تقوى عملها في فيينا وفي لاهاي، في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووكالة الأمم المتحدة لمنع الأسلحة الكيماوية، على التوالي. تضاعف تواجد ونفوذ بلدان عدم الانحياز في مداولات ونقاشات أساسية بالنسبة لحاضر ومستقبل شعوبنا.
6-إنعقد بنجاح معظم الاجتماعات رفيعة المستوى في السنوات 2007، 2008 و2009 وقد كانت هي الأخرى مبرمجة في خطة عمل حركة بلدان عدم الانحياز التي أقرت في القمة الرابعة عشرة. وقد ثبتت أهميتها كمحطات أساسية لتعميق المداولات والنقاشات، التقييم والخطوط الأساسية للحركة في مواضيع تقع ضمن إطار مسؤوليتها. إنها أيضا طريقة فعالة لتقوية وتعزيز التعاون جنوب- جنوب والتضامن جنوب جنوب.
7- إن الاجتماع الوزاري الخامس عشر المنعقد بين قمم حركة بلدان عدم الانحياز والذي تم في جمهورية إيران الإسلامية، في تموز/يوليو 2008 سمح بتقييم انجازات حركتنا إلى ذلك التاريخ، كما أنه فسح المجال لاغتناء وتجديد المواقف المتخذة في القمة الرابعة عشرة بهافانا.
8- خلال هذه الفترة، ظل تكتل حركة البلدان عدم الانحياز بمجلس الأمن نشيطا وازداد مستوى التنسيق مع رئاسة مكتب التنسيق ومع باقية البلدان عدم الانحياز. أقيم تكتل بلدان عدم الانحياز في لجنة توطيد السلام ويؤدي عمله ووظائفه بفعالية.
ايتها المندوبات الموقرات، ايها المندوبين الموقرين:
إن الهدف الرئيسي لهذا الاجتماع الوزاري لمكتب التنسيق حسب منهجية حركة البلدان عدم الانحياز، هو إعداد وتحضير مؤتمر القمة السادس عشر الذي سوف يعقد بمصر من 11 إلى 16 يوليو المقبل. ها هي فرصة مؤتية من أجل تنسيق العمل بانتظام وحتى نقيم بشكل موضوعي وموجه نحو العمل، أداء الحركة في السنوات الثلاثة الأخيرة. والأهم من ذلك أننا مدعوون لوضع المنطلقات والخطوط الأساسية التي تسمح بمواصلة تعزيز وحدتنا وبتوسيع وتعميق وقع وتأثير أعمالنا، تحت قيادة مصر ونعترف لهذا البلد برصيد وتاريخ بارز من الالتزام بحركتنا.
إننا نجتمع في إطار وضع دولي معقد للغاية، متأثر بأزمة اقتصادية شاملة، تمتد تأثيراتها إلى جميع المجالات المعنية بالحركة وهي تؤثر تأثيرا مهما على تحديد أولياتنا في المستقبل القريب. من بين أهم المسؤوليات التي تقع على كاهلنا بهذا الاجتماع يأتي التوصل إلى مقررات تصلح كركائز لعمل قادتنا بحثا عن حلول جماعية وعادلة ومستدامة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على العالم.
جاءت هذه الأزمة التي ليس لها مثيل منذ قرن من الزمن تقريبا، كنتيجة مباشرة للنظام الاقتصادي العالمي المجحف السائد بالعالم، وجاءت أيضاً كمحصّلة للنظام المالي الدولي المفروض على شعوبنا وعن نشاط الرأسمال الكبير الذي ينطلق من مراكز الصناعية صاحبة السلطة التي لا تخضع لأي رقابة. وقد تأزمت الأمور مع الأزمة الغذائية التي ترافقت بتذبذب أسعار الطاقة وبأزمة البيئية والتغير المناخي الذي يهدد الإنسانية اليوم.
إن البلدان النامية هي التي ستتحمل بلا مفر أهم عواقب هذه الأزمة.
أصبحت اقتصادياتنا تعاني من عواقبها وترى شعوبنا كيف تبتعد أكثر فأكثر حلول المشاكل الاقتصادية الخطيرة التي تؤثر عليها.
أيتها المندوبات الموقرات، أيها المندوبين الموقرين:
يتولى ممثلو حركة البلدان عدم الانحياز مسؤولية دفع عجلة التفاوض حول الوثائق التي ستخضع لاعتبار الوزراء لإقرارها. ينبغي عليهم استكمال التفاوض حول البيان الختامي، الذي تمت دراسته في شهر آذار/مارس الماضي بمكتب التنسيق في نيويورك، مما سمح بإحراز تقدم ملحوظ بأغلبية النص. لقد تفاوضت الوفود على هذه الوثيقة التي أصبحت عمليا جاهزة لإقرارها. أناشدكم على تركيز الجهود على الفقرات التي ظلت عالقة.
لن يكفي الوقت لذكر كل واحدة من القضايا المهمة التي يتوجب عليكم التعرض لها في اليومين المقبلين.
لذلك سأتعرض على بعضها فقط:
ينبغي على الحركة أن تلعب دوراً رئيسياً في العلاقات الدولية وفي النضال من أجل إقامة نظام اقتصادي عالمي عادل ومتساوي، حيث تسود المعاملة الخاصة والمتميزة للبلدان النامية.
إن النظام المالي الدولي مجحف وبرهن عجزه للتوقع بالأزمة ومنعها.
لا بد من هيكلية مالية جديدة لتحقيق هدف القضاء على الفقر حتى تمارس شعوبنا الحق في التنمية والتطور.
ينبغي على البلدان غير المنحازة أن تكون في الطليعة دفاعا عن مبادئ السيادة والمساواة ذات السيادة للدول، تكامل الأراضي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى، مبدأ حق تقرير مصير الشعوب، تأكيدا على الحق الشرعي لكل دولة لتحديد نظامها السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي والثقافي، دون تدخل خارجي.
إن استعمال القوة أو التهديد باستعمالها في العلاقات الدولية، اعمال الغزو أو زعزعة الحكومات الشرعية لا تتطابق مع القانون الدولي. ينبغي علينا تشجيع علاقات التضامن والصداقة بين الأمم وضمان المصالحة وحل النزاعات الدولية عن طريق وسائل سلمية.
لا بد من إجراء إصلاحات بالأمم المتحدة وتحويلها إلى أداة حقيقية وفعلية تخدم التعاون والسلام تقدر على تنفيذ الأهداف والمبادئ المكرسة بالميثاق التأسيسي. لا بد من تعزيز سلطتها و قدرتها على اتخاذ قرارات في المجال الاقتصادي، بما فيها المالية والتجارة الدولية. إن الأمم المتحدة، مع تركيبها العالمي عمليا، إنه الملتقى الأساسي متعدد الأطراف حيث تنحل القضايا الشاملة الملحة التي تواجها الإنسانية.
لا بد من دمقرطة الأمم المتحدة التي يجب أن تخضع لإصلاح عميق، يمر بتوسيع عضويتها حيث يضمن تمثيل مناسب لبلدان الجنوب. ينبغي ضمان الشفافية في مداولاتها وإلغاء امتياز الفيتو المجحف.
وينبغي أن تظل كأولوية لحركتنا النزع الشامل للأسلحة النووية. لا بد من بدء التفاوض على أداة متعددة الأطراف إجبارية من الناحية القانونية التي تحدد الواجبات لتحقيق ذلك الهدف.
لا بد من الحفاظ على الدبلوماسية متعددة الأطراف كالسبيل الرئيسي في مجال نزع السلاح وعدم انتشار الأسلحة النووية. يجب حل المشاكل المنبثقة عن انتشار الأسلحة النووية عن طريق السبل السياسية والدبلوماسية، ولا بد للإجراءات والمبادرات التي تتخذ في هذا السياق أن تتقيد بالقانون الدولي.
هناك قضايا تتطلب أداؤنا العملي وأثبت تضامننا، ألا وهي القضايا العادلة لفلسطين والشعوب العربية التي تخضع للاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، والإدانة الشديدة للأعمال العسكرية الوحشية التي تقوم بها القوة المحتلة ضد السكان الفلسطينيين، وعلى وجه الخصوص بقطاع غزة، الرفض للعقاب الجماعي وانتهاكات خطيرة أخرى تقترفها إسرائيل خرقا لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني .
ينبغي أن تبقى النزاعات الإقليمية في مركز صدارة اهتمامات الحركة. بعضها يُقحم مباشرة عدة أعضاء للحركة لأسبابها متنوعة، ولكنها بشكل أساسي نتيجة للاستعمار وقرون من نهب ثرواتنا، لصالح الدول الاستعمارية والقوى العظمى الامبريالية. لن تكون العقوبات ولا الأسلحة السبل الكفيلة بتجاوز الأسباب الهيكلية، بل التضامن والتعاون في سبيل التنمية والتطور. يحق للشعوب المتضررة أو المعنية مباشرة حل هذه المشاكل بواسطة السبل السلمية ودون تدخل أجنبي.
ما زالت مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله وتظاهراته تعتبر أولوية للحركة. لا بد من الحد من ازدواجية المعايير والتلاعب السياسي في معالجة هذه المشكلة على الصعيد الدولي. ينبغي على الأمم المتحدة أن تلعب الدور المحوري في لقاء و تنسيق الأعمال لمكافحة هذا الوباء.
أيتها المندوبات الموقرة، أيها المندوبين الموقرين:
أشكر لكم جميعا مساهمتكم من خلال مقترحاتكم ومبادراتكم في تقوية وتعزيز الحركة وفي بناء مستقبل أفضل لشعوبنا.
إن الأهداف التي نستهدفها ليست سهلة. ذات مرة كانت تبدو نهاية الاستعمار واستقلال شعوبنا أو إلغاء نظام التفرقة العنصرية وكأنها أحلام أو أوهام. إن حركتنا لعبت دورا مهما في تحقيق هذه الأحلام، هو نفس الدور الذي ينبغي علينا أن نلعبه اليوم.
حتى نواجه بنجاح التحديات الهائلة التي تعترضنا لا بد من مواصلة العمل من أجل ترسيخ وحدة عمل أممنا ال118. تستطيع حركة البلدان عدم الانحياز أن تحظي دائما بمساهمة كوبا في النضال من أجل تحقيق أهدافها النبيلة.
شكرا جزيلا.